السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

99

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

إلى الاعتدال ، فإن كان هبوبها في أول النهار فهي مائلة إلى البرد ، لأنّها تمرّ على مواضع باردة ، بردت ببعد الشمس عنها بالليل فتكون طيبة جدا إلا أنّ زمانها قليل ، لأن شعاع الشمس يسوقها من خلفها ، فإذا أشرقت الشمس ساقتها إلى قدامها فلا زالت تمرّ قدّام الشعاع والشمس تلطّفها وتسخنها بحرّها وضيائها حتى تصير معتدلة ، وهي النسيم التي تدعى : الريح السحرية يلتذ الإنسان بها ، فإذا مسّته يطيب له النوم عليها . قلت : وعلى ذلك فما ألطف قول الملك عضد الدولة « 1 » : وقالوا أفق من لذّة اللّهو والصّبا * فقد لاح صبح في دجاك عجيب فقلت أخلّائي دعوني ولذّتي * فإنّ الكرى عند الصّباح يطيب والمريض والمكروب يجد عند هبوب هذه الريح راحة ، فهبوبها بالاسحار من الليل والغدوات من النهار ، لأنّ في هذا الوقت اعتدال الهواء لاختلاط برودة الليل بحرارة النهار . طريفة : حكى أبو الفرج في الأغاني قال : إن أهل المجنون « 2 » خرجوا به معهم إلى وادي القرى قبل توحّشه ليمتاروا خوفا عليه من أن يضيع ويهلك . فمرّوا في طريقهم بجبلي نعمان ، فقال بعض فتيان الحي : هذان جبلا نعمان وقد كانت ليلى تنزل بهما ، قال : فأيّ الرياح تأتي من ناحيتهما ؟ قالوا : الصّبا ، قال : فواللّه لا أريم هذا الموضع حتى تهبّ الصّبا . فأقام ومضوا ، فامتاروا لأنفسهم ، ثم أتوا عليه فأقاموا معه ثلاثة أيّام حتى هبّت الصّبا ، فانطلق معهم وأنشأ يقول : أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا * نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها أجد بردها أو تشف منّي حرارة * على كبد لم يبق إلّا صميمها

--> ( 1 ) هو أبو شجاع فنا خسرو عضد الدولة بن الحسن بن بويه الديلمي . توفي ببغداد سنة 372 ه ( أنوار الربيع 4 / 255 ) . ( 2 ) هو قيس بن الملوح ( مجنون ليلى ) . توفي سنة 68 ه ، وقيل غير ذلك ( الأعلام 6 / 60 وأنوار الربيع 1 / 376 ) .